وضع الأستاذ وعاء زجاجيا على الطاولة، ثم بدأ بوضع أحجار في الوعاء حتى لم يبق مكان. سألهم : هل امتلأ؟ قالوا له : نعم . فأخرج كيسا من الحصوات من جيبه وبدأ ينزلها إلى الوعاء فاستقرت جميعها بين الأحجار, ثم سألهم ثانية : هل امتلأ الوعاء الآن؟ فقالوا جميعا : بالتأكيد. ابتسم ثم أخرج كيسا من الرمل من جيبه الآخر وصار يفرغه في الوعاء، فنزل جميعه وعبأ كل الفراغات التي بين الأحجار والحصوات أمام دهشة الطلبة وابتساماتهم . قال لهم : تظنون أني انتهيت, فضكحوا وقالوا: نعم , ولكنه استدار وأخذ فنجانين من القهوة، وصبهما بهدوء على الرمل، فامتص الرمل كل القهوة.
نظر الاستاذ إلى الطلاب وقال لهم : هذا الوعاء يمثل حياتكم . الأحجار هي الأشياء المهمة. هم الناس الذين تحبونهم . عائلاتكم، الوالدان، الأولاد، علمكم وأخلاقكم , والحصوات هي الكماليات والأمور المادية : المنزل، السيارة، الوظيفة، المعاش . وأما الرمل فهو كل ما يزيد على كل هذا: هواياتكم، صداقاتكم، عشاء مع شريك حياتك, نزهة مع الأولاد، فيلم جميل. ثم قال لهم: ولكن إذا لم تضعوا الأهم في الوعاء وملأتموه بالأمور الثانوية فلن يبق مكان للأشياء المهمة. إذا ملأتم الوعاء بالرمل فلن تستطيعوا وضع الحجارة في الوعاء ولن تجدوا مكانا للحصوات. قال لهم: وهكذا الحياة أيضا، إذا اختطلت الأولويات ضاق عليكم الوعاء وضاعت حياتكم . رفعت طالبة يدها وقالت : وماذا عن فنجاني القهوة؟ ماذا يمثلان؟ شكرا لك أنك انتبهت، قال لها: هذان الفنجانان يعنيان أننا مهما كنا مشغولين وغارقين في حياتنا وتفاصيلها فسيظل دائما هناك وقت لنأخذ استراحة قهوة مع صديق.
وهذا ما يحدث معنا عندما نفقد توازننا فنجد أن الرمل بدأ يسد جميع المنافذ والثقوب واختطلت الأشياء ببعضها. وهذا شيء لا يقتصر على الفرد، وإنما هو ظاهرة إنسانية ويصيب الأمم على مستوى جمعي أيضا. فالأمم أيضا تفقد وجهتها وتضيع قيمها الحقيقية , وينتشر الفساد والرشاوى والظلم فتصير الأمة عاجزة حتى عن توفير لقمة العيش لأبنائها، بينما أمم أخرى تعرف كيف تضع حجارتها الكبيرة في الديقراطية وحقوق الإنسان والعلوم والتربية والتكافل الاجتماعي.
وقصة القنينة معروفة ومكررة، ويستعملها ستيفين كوفي، الكاتب الأمريكي الخبير في الإدارة والفعالية وتنظيم الوقت ليعبر عن نسبية الزمن . فكلنا نستعمل كلمة «مشغول» ولكن الحياة هي كهذا الوعاء تماما. إن استطعنا أن نضع الأهم فالأهم فسيخف استعمالنا لهذه الكلمة المكررة. وإذا كنتم تلاحظون فهي كلمة تمتص البركة من أوقاتنا . فكلما قلنا نحن مشغولون صرنا مشغولين أكثر, ولكن إذا نظرنا إلى ما يشغلنا فعلا وجدنا أن الكثير منه هو من نوع الرمال المتحركة التي تخنقنا بالتفاصيل اليومية والأزمات الصغيرة غير الحقيقية ومشاكل وأحاديث لن تزيد أو تنقص من حياتنا شيئا. ومن ثم هناك الكثير من الرمل في حياتنا. وأعظمه التسوق والتلفزيون والحياة الاجتماعية المبالغة. فهذه تسد كثيرا من المنافذ وتأخذ حيزا كبيرا, بينما في الواقع عندنا أكثر بكثير مما نحتاجه، وكثير مما نراه على التلفزيون مثل محادثاتنا مع الجيران والزملاء. معظمه لا يزيد علمنا إن لم ينقصه. وأنا لست ضد الروح الاجتماعية، ولكن كم من الناس يقرأ كتابا واحدا يتيما مفيدا في الشهر، وكم مرة يسهر ويزور الأصدقاء . هذه هي الحجارة والرمال والحصوات. والحياة تمر من بين أصابعنا مثل الرمال إن لم نعرف أن نمسك ببعض الحجارة الجيدة.
وبينما علوم التنظيم والإدارة والفعالية تزداد وتنتشر وتتوسع على جميع المجالات في الغرب، نجد الأمم العربية تتحول إلى أسواق مفتوحة لسلع الغير. ليس فقط في غث الأشياء وإنما فكريا وروحيا. والرعب من التفكير والابداع حول الأمة إلى سوق كبيرة لأفكار الغير وابداعهم . فهذه طبيعة الحياة . إن لم تفتح نوافذ الابداع في مجتمعك فستأتيك بأشكال أخرى وستجد نفسك تدفع ثمنا باهظا لأفكار وابداعات الآخرين.
واختلاط الأولويات في حياتنا أوقف الحياة وعبأها بالرمال. ولن نستطيع الرؤية إلا إذا بدأنا نفرغ أوعيتنا من الغث والكراكيب والرمال واللهث وراء المظاهر وتقليد الغير. وعندما نجد حجارتنا الحقيقية نستطيع أن نجمع رمال العالم، ولكن سنعرف أين نضعها بل إن تطمرنا تحت غبارها.
محبكم: فيكتور