جريدة الغد-أحمد الشوابكة-مادبا- تدُب في شارع الملك عبدالله الثاني (شارع البيراء سابقاً) الحركة من مركبات ومشاة، كما ينتشر في جنباته باعة البساطات من كل نوع ولون.
وتشغل المباني في الشارع، الذي يعد البوابة لمدينة مادبا من الجهة الشرقية، المتباينة الأشكال، هندسية تجلب الناظر في جماليتها الفنية.

ويتوسط الشارع مسجد الحمد وتكتنف ارصفته التي يتجمع فيه لفيف من الباعة الذين لا يفتأون يعلنون عن بضاعتهم بأصوات تملأ المكان ضجيجاً لعرض بيعهم، خصوصاً يوم الجمعة.
ورسمت العلامة التجارية على هذا الشارع ليبدو لوحة فنية، ارتجلها أصحاب المحل على غير نسق أو نظام، فصنع من ذلك المزيج المتنافر جمالاً أخَّاذاً.
ولأن الحياة فيه، لكونه يتمتع بميزة لا يستهان بها، إذ يعتبر وصلة ربط مواصلات لأبناء المحافظة من العاصمة والمحافظات.
وزرعت على جوانب أرصفته أشجار الكينا الباسقة، ملقية بظلالها الوارفة على امتداده، باعثة مع تماوج الرياح، أنساماً عليلة يتفيأها المارة من أنباء المدينة وعمال، في غدوِّهم ورواحهم.
وثمة أسواق شهيرة، يؤمها العديد من أهالي المدينة، حيث تتوافر فيها كل الأشياء، بدءاً من الخضار والفواكه، ومحال الجزارة والدواجن الحلويات "كرابيج حلب وأصابع زينب وكنافة".
ثمة قطع أراض شاسعة "أشبه بمنتزه" فيها أشجار ظليلة تحتضن رمالها الذهبية، يخترقها الشارع الرئيسي المؤدي من العاصمة "عمّان" ويفضي إلى وسط المدينة، حيث اعتاد الناس أن يتخذوها مكاناً ليجلسوا تحت ظلال الأشجار في ليالي الصيف.
الجو أخَّاذ ساحر. ففي الصيف تنساب النسائم الرقيقة، القادمة خلال البساتين والكروم، فترطب أجواء أرصفته الضيقة ومبانيه الوادعة.
وفي الشتاء تكسو سماءه الغيوم، وتهطل الأمطار بوفرة مبشرة بقدوم الخير والخصب، دلف خارج مبانيه وتحت وابل المطر الغزير، حيث يستمتع بمرأى الماء المتدفق من الأعالي خلال قنواته الإسفلتية المتعرجة، مرسلاً خريراً صاخباً، بلونه القرميدي الداكن، الذي اكتسبه في رحلته عبر أسطحة المنازل وجدرانه الإسمنتية ومن تربة الأرض الحمراء، يغوص المرء وسط مجرى مائي، وقبل يلبث بالانسحاب، يهرع إليه صائحين مهللين، في مزيج من الفزع والفرح.
المقاهي عن بعد بمعروضاتها المتباينة الألوان والأنواع، والمضاءة ليلاً، حيث يجلس على الأرصفة الزبائن لتناول نارجيلة واحتساء القهوة أو كوب من الشاي مع سماع الأغاني ونشرات الأخبار من جهاز التلفاز في داخل مقهى (أحمد الشيخ) وعن كثب، فيما تتماوج الطاولات أمام أبصار الزبائن أوراق الشّدة ورناد طاولة الزهر والضمنة.
تمضي العمالة الوافدة "المصريون" الذين يقطنون بشكل وافر وكبير أوقاتهم في المقاهي لممارسة لعبة "الضمنة وطاولة الزهر" ومشاهدة مباريات الدوري المصرية عبر شاشات التلفزة ولساعات، بعد يوم مليء بالتعب، لتكون البهجة على وجههم، وما يلبثون إلا وهم يرددون أغنية "أم كلثوم" الأثيرة لديهم "على بلدي المحبوب وديني... زاد وجدي والبعد كاويني"، تتجاوب أصداؤها في كل الأرجاء برنينها الساحر، تثير الشجن والحنين إلى شيء غامض مجهول.