فريهان الحسن - جريدة الغد
تتوجه أم إبراهيم صباح كل يوم إلى سوق الخضار لابتياع حاجياتها اليومية وإعداد وجبة الغداء الاعتيادية لأسرتها.
الأم لأربعة أبناء لاحظت أن الارتفاع في الأسعار عما كان عليه في العام الماضي"أصبح لا يطاق". فبينما كانت متطلبات إعداد طبق عائلتها المفضل "الكوسا المحشي" يكلف مبلغا معقولا، أصبحت الكلفة الحالية تتجاوز الضعفين، لتصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعاف.
أسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال العام الماضي والشهرين الأولين من العام الحالي بنسب تراوحت5- 100 %، شملت المواد الغذائية الأساسية مثل؛ الحليب والأرز والخضراوات والفواكه والحبوب واللحوم والدواجن، فضلا عن سلع كثيرة أخرى.
اقتصاديون يرون أن الارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية والمحروقات وغيرها من التداعيات أدت إلى تغير كبير في نمط الاستهلاك وكيفية إدارة النفقات الشخصية أو العامة لدى المواطنين بما يتناسب مع هذا الارتفاع وضمن سلم أولويات جديد فرض نفسه على الواقع الأردني.
ويجد المحلل الاقتصادي حسام عايش أن الأوضاع الاقتصادية تفرض نفسها على طبيعة الإنسان وكيفية إنفاقه للدخل المحدود الذي يتقاضاه، سواء على مستوى الأسرة أو الفرد.
المواطن بحسب عايش، أصبح يعيد ترتيب أولوياته "يبدأ بالأساسيات من ثم التدرج بالكماليات"، إذ يجد أن المواطن لم يعد قادرا على تحمل أعباء الحياة المتزايدة والسريعة التي أخذت تستهلك الدخل بشكل كبير.
وبعد أن اعتاد الناس على التعاطي مع ما يتم استيراده في السنوات الأخيرة، رجع المواطن في الآونة الأخيرة إلى "حياة الكفاف" واستهلاك الحد الأدنى من أساسيات الحياة، كما يقول عايش.
ويجد أن الأسعار فرضت نفسها بقوة على الناس، حتى أنه يرى تغيرا في أنماط العلاقات الاجتماعية، فضلا عن تغير النمط الاستهلاكي.
ويتساءل عايش، هل ما يتم استهلاكه هو الذي يفيد الأسرة والأطفال، وهل البدائل الغذائية توفر الإمكانية للمواطن كبديل حقيقي عما ارتفع ثمنه؟
ويشير عايش إلى أن المواد الغذائية الأولية لم يعد يقدر عليها سوى أصحاب الدخول المتوسطة والمرتفعة، ولم يعد المواطن يستطيع تناول هذه المواد بشكل يومي.
ومع الارتفاع المتزايد للأسعار انخفضت القيمة الحقيقية لدخل الفرد من 30 -40%.
ومنذ ارتفاع الأسعار أصبحت كثير من العائلات تحسب تكاليف أي طبخة، ومكوناتها قبل أن تقوم بها.
أم محمود أصبحت تحاول استبدال المأكولات المكلفة، بأخرى أقل في الكلفة، مع اصرارها على أنه "لم تعد هنالك أي طبخة رخيصة الثمن".
وتعطي الأم لخمسة أطفال مثالا على ذلك "بطبخة الملفوف" التي تحتاج إلى أرز ولحم ولوازم أخرى، وكل هذه المكونات ارتفع ثمنها، "بطلت توفي معنا، وصار الراتب ما يكفينا أكل".
صاحب محال الخضار والفواكه في منطقة جبل النزهة عيد الشيخ قاسم، يقول: إن الناس بعد هذا الغلاء بدأوا باتباع أساليب جديدة في الشراء، معتمدين على شراء حاجاتهم بالعينات والعدد، والابتعاد عن شراء الكميات الكبيرة.
وأصبح الناس، بحسب قاسم، يفكرون بتبعات الطبخة مثل؛ الملفوف والكوسا وغيرها، وما تحتاجه هذه الطبخة من مستلزمات.
ويبين أن أصحاب المحلات تأثروا بشكل كبير من هذا الواقع الجديد. ويقول إنه كان يبيع10 صناديق من الكوسا يوميا، في حين أنه لا يجلب الآن أكثر من صندوقين، وتبقى كمية منهما لليوم الذي يليه.
ويرى قاسم أن هنالك إعادة ترتيب لسلم الأولويات لدى الناس بعد الارتفاع الكبير الذي حصل، مشيرا إلى أن الارتفاع في أسعار الخضراوات تجاوز أحيانا300%، ما أدى إلى"هجر" مأكولات معينة.
"انحرم الواحد من الأكلة اللي بحبها" يقول المتقاعد سعدي عبدالرحمن، الذي لا يكفي تقاعده لتغطية مصاريف بيته وعائلته من الطعام والشراب.
وفي الوقت الذي يقول فيه إنه كان هو وأفراد عائلته الخمسة يفضلون "المقلوبة"، فإنه لم يعد باستطاعته تحمل نفقاتها التي تحتاج إلى (باذنجان وزهرة ولحمة أو دجاج، وأرز) وهي المواد التي ترتفع أسعارها بشكل مستمر.
ويبين أن الحديث الجاري حاليا بينه وبين أصدقائه الذي يلتقي معهم في المقهى أو المنزل، هو "كيف الناس بدها تعيش".
قاسم يؤكد ضرورة وجود رقابة على الأسواق، ويشير إلى أن أصحاب المحال متضررون كثيرا بسبب ضعف القدرة الشرائية عند الناس، إذ إن ارتفاع اسعار السلع يؤثر بشكل سلبي على حجم المبيعات، ويعمق من حالة الركود.
"إن شا الله ما انطبخت ولا انأكلت" يقول قاسم، إذ تتردد هذه العبارة دائما بين الرجل وزوجته عند شرائهم حاجيات المنزل من مواد أساسية وخضراوات وفواكه، إذ لا يستطيع رب المنزل تحمل عبء هذه النفقات.
ويبين قاسم أن نسبة كبيرة من الناس "تنصدم" عندما تقف عند الميزان لدفع الحساب، خصوصا أن هناك أشخاصا يأخذون ما يريدون ولا ينتبهون للسعر الموجود الا عند الانتهاء ومعرفة قيمة الفاتورة، الأمر الذي يدفعهم إلى إعادة أكثر من نصف الكمية.
ويؤكد استاذ علم الاجتماع في جامعة البلقاء التطبيقة د.حسين الخزاعي تغير الأنماط والسلوكيات الاجتماعية نتيجة التغيرات الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويبين أن ذلك أدى إلى تغير أنماط المعيشة لدى المواطن، وتأثيرها سلبيا عليه، مشيرا إلى ان هناك بعض المأكولات "هجرت"، خصوصا التي تدخل في إعدادها مواد كثيرة، بسبب عدم قدرة المواطن على تحمل أعبائها المادية.
ويشير إلى أن النمط الاستهلاكي الغذائي تغير لدى الناس، وأصبحت هناك إعادة موازنة للأسرة من جديد، مبينا أن التغير الكبير سيؤدي إلى قضية كبيرة في الأسرة، وهي"العزلة داخل المجتمع".
ويلفت الخزاعي إلى أن التكاليف والزيادات الاجتماعية تؤدي إلى المزيد من "غربة الأب داخل منزله" للهروب من المطالب التي لا يستطيع عليها، ما يؤدي إلى حالة من"التفكك الأسري والعزلة الاجتماعية".
دراسات وإحصائيات أردنية أثبتت أن هناك عجزا في موازنة الأسرة ومصاريفها يبلغ حدود1330 دينارا سنويا، ويؤكد الخزاعي بأن الارتفاعات المستمرة وعدم قدرة الأسرة على تحمل هذه النفقات سوف يؤثر سلبيا على الأسرة والمجتمع.