اذرح

تقع قرية اذرح في جنوب الاردن على الطريق الواصل ما بين معان والشوبك وعلى بعد حوالي 22كم من معان وسط مرتفعات الشراة وعلى ارتفاع قدره 1293مترا
وتعني كلمة اذرح في اللغة الهضاب يحيط بها السهول ليتوافق ذلك مع واقع الحال هناك
وتعود شهرتها قديما منذ العهد الروماني عندما انشيء فيها معسكر لاحدى الفيالق الرومانية لا زالت اسواره وتحصيناته وقنواته المائية ماثلة للعيان حتى يومنا هذا

اسوار الحصن الروماني
فيما استمر الاستيطان بها في العهد البيزنطي ,يدلل على ذلك بقايا الكنائس التي لا زالت موجودة في الموقع الاثري بها

بقايا كنيسة بيزنطية
واشتهرت اذرح قديما بوفرة وعذوبة مائها الذي كان يجري مشكلا "سيل اذرح" قبل ان ينضب في نهايات القرن قبل الماضي كنتيجة حتمية للضخ الجائر المرافق لشح الامطار , كما اشتهرت بكثرة اشجارها وبساتينها حيث ذكر الادريسي انها في غاية الخصب وكثيرة اشجار الزيتون واللوز والتين والكروم والرمان , وزارها عام 1845م الرحالة الفنلندي جورج فالين وقال عنها :" وصلنا الى عين اسمها "أذرح" مياهها الغزيرة تتجمع في حوض بسفح تلة ,تربتها غنية مخضرة ...وعلى الضفة الاخرى من الحوض الذي يحاكي بحيرة صغيرة آثار كثيرة لمحلة قديمة محصنة يحيط بها سور رباعي ...وحول العين تمثل حقول ذرة كبيرة والخضرة فيها نضرة ونمو الزرع ممتاز وماء العين صاف وعذب "
وكانت اذرح قديما مدينة عامرة ذكرها اليعقوبي والمقدسي بانها "مدينة" قبل ان تتراجع مكانتها ليصفها فيما بعد ياقوت الحموي بانها"قرية" الامر الذي استمرت عليه حتى يومنا هذا .
ولاذرح في التاريخ الاسلامي محطات عدة:اولها ما كان من ذكر لها ولشقبقتها "الجرباء "الواقعة على بضع كيلومترات منها ,عند وصف الرسول صلى الله عليه وسلم حوضه لصحابته الكرام بقوله:"إن امامكم حوضي كما بينكم وبين اذرح والجرباء"
ويستدل من ذكرها في وصفه صلى الله عليه وسلم انها كانت مشهورة ومعلومة للجميع
وتأتي ثاني محطة من محطات تاريخ اذرح عندما جاء وفدها الى النبي صلى الله عليه وسلم على إثر غزوة تبوك عام 9هـ /630م مصالحين, لتكون بذلك من اوائل المدن المفتوحة صلحا وكتب لهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتابا بذلك على أديم نصه:" بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله ومحمد , وان عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة , والله كفيل بالنصح والاحسان للمسلمين, ومن لجأ اليهم من المسلمين من المخافة والتعزير اذا خشوا على المسلمين , وهم آمنون حتى يحدث اليهم محمد قبل خروجه"
وانما كانت الجزية عليهم مائة دينار بحسب عدد رجالهم الحالمين والذي بلغ مائة رجل , واهداهم الرسول صلى الله عليه وسلم برده.
واما المحطة الثالثة : فما كان من شأن التحكيم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما على إثر معركة صفين ورفع المسلمين من جيش معاوية للمصاحف على أسنة الرماح طالبين تحكيم كتاب الله بينهم , حيث انتدب علي ابا موسى الأشعري رضي الله عنه فيما انتدب معاوية عمرا بن العاص رضي الله عنه والتقى الفريقان في رمضان سنة 37 هـ/658م في أذرح كمنطقة محايدة بعيدة عن كل من دمشق والكوفة مقر الفريقين المتخاصمين ,ليجلس الفريقان في"قصر الصحابة" على قمة جبل " الاشعري" في أذرح يحتكمان

جبل التحكيم" الاشعري"

بقايا قصر الصحابة
حيث اتفق الطرفان على خلع علي ومعاوية وترك الأمر للمسلمين حيث قام ابو موسى الأشعري خطيبا في الناس فقال:" لقد بحثنا فلم نجد أجدر للم شعث هذه الأمة من أن نخلع عليا ومعاوية ونجعل الأمر شورى بين المسلمين وإني قد خلعتهما فاستقبلوا أمركم وولوا من شئتم"
ثم قام عمرو بن العاص فقال :"إن ابا موسى قد خلع صاحبه وانا أخلع من خلع وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي ابن عفان والمطالب بدمه وأحق الناس بمقامه"
فحدث هرج ومرج بين المسلمين وانتهى الأمر بالفشل والانقسام والوبال(**)
واما المحطة الرابعة: فقيل أن الحسين بن علي رضي الله عنهما قد نزل بأذرح وفيها تنازل عام 41 هـ لمعاوية بالخلافة وبايعه فيها عليها انهاء للفتنة وحقنا لدماء المسلمين وتوحيدا لهم " كما ورد ذلك بنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم له" وسمي ذلك العام بعام الجماعة لاجتماع كلمة المسلمين وتوحدهم فيه
والخامسة: ان الامويين أقطعوا أذرح لعلي بن عبدالله بن العباس رضي الله عنهم فنزل فيها قبل ان يتحول بعد ذلك منها وينزل في الحميمة
وأخيرا فقد كان لأذرح عبر العصور الاسلامية التالية أهمية كبيرة لوقوعها على أحد دروب الحج فاهتم بها المماليك وبنو فيها الخانات ومن بعدهم العثمانيون الذين لا زالت آثار الخان الذي بنوه خدمة للحجيج ماثلة للعيان حتى يومنا هذا

الخان العثماني
وقد ورد ذكر أذرح في أشعار العرب غير مرة ,منها ما ذكره ذي الرمة مشيدا بأبي موسى الأشعري عندما مدح حفيده بلال بن ابي بردة:
أبوك تلافى الدين والناس بعدما........... تساءوا وبيت الدين منقطع الكسر
فشد إصار الدين أيام أذرح ....................ورد حروبا قد لحقن الى عقر
وقال الهيثم بن الاسود مشيدا بأمانة الاشعري:
لما تداركت الوفود بأذرح.............وفي اشعري لا يحل له الغدر
ادى امانته ووفى نذره.................عنه واصبح فيهم غادرا عمرو
يا عمرو ان تدع القضية تعرف......ذل الحياة وينزع النصر
ترك القرآن فما تأول آية...............وارتاب اذ جعلت له مصر
وقال كعب التغلبي متعاطفا مع معاوية:
كأن ابا موسى عشية أذرح.................يطيف بلقمان الحكيم يواربه
فلما تلاقوا في تراث محمد.................سمت بابن هند في قريش مضاربه
سعى بابن عفان ليدرك ثأره...............وأولى عباد الله بالثأر طالبه
(**) يشكك الكثيرون في صحة مثل هذه الرواية التي لا تليق بأخلاق المسلمين التي تنهى عن المكر والخديعة , بل ويذهب البعض الى انكار حدوث التحكيم كلية , وقد تناهى الى سمعي أن هناك من أعد رسالة ماجستير في السعودية يثبت فيها بالادلة والبراهين التاريخية والمنطقية عدم صدق أو حدوث هذا التحكيم من أصله والله أعلم.